ابن عبد البر
385
الاستيعاب
وفي حديث أبي بكرة في ذلك : وإنه ريحانتي من الدنيا . ولا أسود ممن سمّاه رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدا ، وكان رضي الله عنه حليما ورعا فاضلا ، دعاه ورعه وفضله إلى أن ترك الملك والدنيا رغبة فيما عند الله ، وقال : والله ما أحببت منذ علمت ما ينفعني وما يضرني أنّ إليّ أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم على أن يهراق في ذلك محجمة دم . وكان من المبادرين إلى نصرة عثمان والذّابين عنه ، ولما قتل أبوه علي رضي الله عنه بايعه أكثر من أربعين ألفا ، كلَّهم قد كانوا بايعوا أباه عليا قبل موته على الموت ، وكانوا أطوع للحسن وأحبّ فيه منهم في أبيه ، فبقي نحوا من أربعة أشهر خليفة بالعراق وما وراءها [ 1 ] من خراسان ، ثم سار إلى معاوية ، وسار معاوية إليه ، فلما تراءى الجمعان ، وذلك بموضع يقال له مسكن من أرض السواد بناحية الأنبار علم أنه لن تغلب إحدى الفئتين حتى تذهب أكثر الأخرى ، فكتب إلى معاوية يخبره أنه يصيّر الأمر إليه على أن يشترط عليه ألا يطلب أحدا من أهل المدينة والحجاز ولا أهل العراق بشيء كان في أيام أبيه ، فأجابه معاوية ، وكاد يطير فرحا ، إلا أنه قال : أمّا عشرة أنفس فلا أؤمّنهم . فراجعه الحسن فيهم فكتب إليه يقول : إني قد آليت أنى متى ظفرت بقيس بن سعد أن أقطع لسانه ويده ، فراجعه الحسن إني لا أبايعك أبدا وأنت تطلب قيسا أو غيره بتبعة قلت أو كثرت . فبعث إليه معاوية حينئذ برقّ أبيض وقال : اكتب ما شئت فيه وأنا ألتزمه . فاصطلحا على ذلك ، واشترط عليه الحسن أن يكون له الأمر من بعده ، فالتزم ذلك كله معاوية فقال له عمرو بن العاص : إنهم قد انفلّ حدهم ،
--> [ 1 ] في ى : وما وراءه . ( الاستيعاب ج 1 - م 14 )